اقرأ حالياً في كتاب “الطريق إلى مكة” والذي كتبه محمد أسد وهو النمساوي المسلم الذي عاصر الملك عبدالعزيز وكان مقرباً له ،ولقد شدتني مرئياته عن الملك و حكاياه عنه حيث كان الملك في وصفه ساحراً عطوفاً وشهماً و على درجة عالية من الحيوية واللباقة والدفء، وأسرتني بعض الروايات التي حكاها عن أهل الملك نقلاً عنه مباشرةًو التي يرويها له الملك في مجلسه الخاص والذي يقيمه بعد صلاة العشاء في قلعته بالرياض : قال محمد أسد في كتابه :

من بين جميع أفراد عائلة الملك عبدالعزيز التي كانت تقطن الكويت إبان تولي ابن رشيد حكم أجداده وآبائه كانت عمته وحدها من تؤمن به: وهي صغرى عماته فتشعر بما يحتويه قلبه الجياش وكان الملك عبدالعزيز يتحدث عنها بتأثر شديد كلما تحدث عن أيام شبابه المبكر، فكان يقول :” أحبتني أكثر من ما أحبت أبنائها ، وحين كنا نجلس بمفردنا ، كانت تجلسني في حجرها وتحكي لي عن الأشياء العظيمة التي لا بدَ لي أن أفعلها حين أكبر” كانت تقول لي : لا بد أن تستعيد عظمة بيت آل سعود، تخبرني بذلك مرة بعد مرة وتقول :”إستعادة بيت آل سعود ليست نهاية المطاف ياعزيز، إذ لا بد أن تستعيد مجد الإسلام، الناس تحتاج من يقودهم على طريق الرسول صلى الله عليه وسلم، وستكون أنت ذلك القائد” وظلت أقوالها حية في قلبي.

 

وعن أغلى زوجاته والتي وهبت الحكمة النسائية الغزيرة النادرة عثر الملك معها على الإشباع الكامل ولم يتكرر ذلك مع غيرها بالرغم من أنه كانت له زوجات أخريات أثناء حياتها فإن مشاعره وكل حبه كان يحتفظ بها لها وحدها مكتملاً كما لو أنها زوجته الوحيدة.

و إعتاد أن يكتب فيها وعنها قصائد حب وقال لي مرةً “: كلما كان العالم مظلماً من حولي كنت أجلس وأكتب إليها قصيدة حب وحين أنتهي أجد العالم قد أضاء أمامي وينكشف مايجب علي أن أفعله”وهي الجوهرة أخت الأمير ابن مسعد الجلوي أمير حائل والذي كان في معية الملك وقاتل معه لإستعادة الرياض وحكم آل سعود والتي توفيت أثناء وباء الانفلونزا عام 1919.

وذكر محمد أسد حكاية عجيبة للملك قال : حين عزم الملك على تولي حكم الأحساء وكان على مشارف الهفوف ومن فوق التل الذي يطل على أسوار القلعة الحصينة كانت الحيرة تملأ قلبه في الموازنه بين المكاسب والمخاطر التي قد تنجم عن مهاجمة الهفوف فأحس بالتعب واشتاق للهدوء والأمان وإلى بيته فتوارد إلى ذهنه خيال زوجته الجوهرة فوجد نفسه مستغرقاً في تأليف قصيدة شعرية لها ونسي تماماً أين هو والقرار الخطير الذي تردد في اتخاذه، كتب القصيدة ووضعها في مغلف وأمر أحد حملة الرسائل بحملها لزوجته أم محمد، وفي الوقت الذي كاد فيه الرسول أن يختفي في زوبعة الرمال المثارة من انطلاق الناقتين وجد القائد عبدالعزيز نفسه قد أتخذ قرار الحرب الذي كان متردداً في اختيارة “سأهاجم الهفوف، وسيكتب الله النصر لي”

قلت القائد ولم أقل الملك وقد خنت نص الكاتب ليوبولد أو محمد، لأني ابتسمت حين قرأت الجانب الملهم من حياة الملك، كانت المرأة منبع إلهام متدفق كبير في حياته كقائد وعودةً على المخ (كتبت عنه سلفاً) فإن الإلهام يُحفز بالشعر والذي مصدره الفص الأيمن الحكيم من عقل الإنسان، الفنون والأدب تنبع من الفص الأيمن وهو فص سابح في ملكوت الإلهام والسلام والعالم المطمئن الواثق والمتمسك باليقين والمتوحد مع الكون العظيم ،كان الملك بلا شك رجلاً قائداً مٌلهماً ومتصل مع الكون من ما أمده بعظمة نبيلة

ثم يقول محمد أسد: ثبت أن ثقته في محلها فقد كان الهجوم جريئاً وسمح لهم الملك بالإنسحاب بأسلحتهم بعد أن استسلمت القوات التركية حيث رحلوا بالبحر إلى البصرة إلا أن الحكومة العثمانية لم تكن لتسلم بانتزاع الهفوف منها بهذه السهولة. اتخذت حكومة اسطنبول العثمانية قراراً بتجهيز حملة عسكرية لمعاقبة ابن سعود ولكن بتدبير السماء الجليل و قبل تنفيذ القرار انفجرت معارك الحرب العالمية مما أجبر الأتراك على توظيف كل قواتهم العسكرية وتوجيهها إلى معارك أهم وعندما انتهت الحرب كانت الإمبراطورية العثمانية قد انهارت.

اكتب تعليقك