‏لنا الوجد الثقيل وذكرياتٌ

‏نُحَمِّلُها على قلبٍ ضعيفِ

‏فلم نكتبْ لكي نحيا، ولكنْ

‏نُخفِّف وطأة الموت الكثيفِ

‏هنا نحن الضيوف على المراثي

‏تُهَدهِدُنا على وجعٍ لطيفِ

‏لـنَذْكُرَ أنّ روحَ الأرض كانتْ

‏أَلُوفًا ذاتَ إنسانٍ أليفِ!*

تفقدت خزانتي الليلة الماضية بغرض عزل ملابس الشتاء وترتيبها  ،حتى وقعت بين يدي سترة ارتديتها في عزاء جدي رحمه الله قبل ثمانية أعوام، شتوية وأنيقة، فاقع لونها لكن لا تسرني ، ناعمة بيد أنها تذكرني بأيام خشنة !ولم أرتديها قط بعد العزاء الذي كان في بيت أخوالي كما نسميه منذ الطفولة،بيتهم الحنون والطيب والذي تتمازج فيه رائحة البخور بالقهوة والموائد اللذيذة  ونوادر جدي التي يرويها باسماً ، كان بيتاً عامراً يجمعنا تحت ظل ضحكته العذبة،وطيباً كوجوه أخوالي وخالاتي ،أما السترة فعلى الرغم من أنها تذكرني بيوم وفاته جيداً،وأنا التي لا أنساه إلا متناسية، فإنها تذكرني أيضاً بالليلة التي تسبقها وتفاصيل العزاء كما لوكانت محيوكة معها!رغم أنها في عيوني باهتة تعلوها غمامة الحزن كما هو حال العزاء فإني لا أقوى على التخلص منها، إحتراماً للرائحة المسك وصمت والدتي الحزين ودعاء عماتي _أخواته_ومواساة اخوالي وعيونهم التي يضنيها وجع الفقد.وليس الذي يجري من العين ماؤها ولكنها روح تذوب وتقطر.*

حين كنت أدرس في الثانوية أجريت له رحمه الله عملية قلب مفتوح وذلك قبل وفاته بثلاث سنين أبتهلت حينها إلى الله بحرقة ألا يذيقني مرارة فقده ،وعلى قدر مايرعبني دائماً فقده، منذ كنت صغيرة وخصوصاً حين أرى عيون والدتي المحمرَة بعد تعرضه لأي وعكة ،إلا أني ليلة وفاته دعوت الله فيها له ” بالراحة،والجنة! “

لم أتمنى رحيله قط لكن ضحكته التي تلاشت آخر حياته تذيب شرايين قلبي شوقاً لها ورأفة عليها!

توفي رحمه الله يوم الجمعة ليلة السبت،واستيقظت ذلك اليوم بعد منام رأيت فيه نخيله التي يحبها جداً وقد تحولت إلى الصبار!

لم أستطع النهوض من السرير وكأنما صدري أطبق علي حين طرقت والدتي الباب بلطف وعينيها الواسعة يداعبها الشجن

 كان والد عظيمتي وملهمتي “مشاري ” نبيلاً وشهماً وسخياً حنوناً وإنساناً جداً وجداً ! وأجزم أن رحيله رحمه الله بعد مشيئة الله كان لألم يحسه في قلبه!وماتمنيت يوم زواجي إلا مباركته ويوم ولادتي بطفلي الأول إلا وجوده ويداه تضم صغيري!لكنها مشيئة الله الذي قدر رحيله قبل ذلك!

حدثت أحداث كثيره بعد رحيلك،ترى هل تبشر بها في البرزخ؟

أكان يوجعه رحيل أحبابه الذين شاركوه أيامه وأحلامه قبله إلى البرزخ ؟!

 كان متلهفاً آخر أيامه للحاق بهم، بقدر ماكان معرضاً عن الحياة , مشيحاً بوجهه عنها ,وآخر حديثه معي كان عن جدي لأبي وقصص يرويها عنه قبل وفاته، وكأنما يقول قد أديت رسالتي وأستودع الله قلوبكم وحياتكم وسعادتكم.!

جاسم الصحيح

4 تعليقات

  • يقول هيا أبو حيمد:

    آمين شكراً لك احساس

  • يقول احساس:

    كما قادتني الصدفة هنا ..جميله كلماتك وعميقة لدرجة انني شعرت بما لا اريد الشعور به …رحم الله امواتنا وامواتكم ..

  • يقول Aa:

    السلام عليكم ورحمة.. بعد صلاة الفجر قادتني الصدفة هنا..كنت أبحث عن بيت الشعر . استوقفني الحلم وكيف ان النخيل أصبح صبار..
    قد أكون أقرب إلى عمر جدك من عمرك…
    لكنني اعرف الفقد.. والرحيل… واعرف كيف يصبح الإنسان شجرة صبار

    • يقول هيا أبو حيمد:

      وعليكم السلام ورحمة الله بركاته،
      كان من الممكن أن تمر هنا أثناء بحثتك بدون تعليق، لكني ممتنة لتعليقك الذي أوقف صوت السكون للحظة .
      لك طولة العمر ولجدي الرحمة والعوض من الكريم بصبره الجنة وموتى المسلمين .

اكتب تعليقك لـ احساس إلغاء الرد