كل منا قد أخذ نصيبه الطفولي وافراً كان أم شحيحاً من دهشة الصغار بأعمال الكبار، وتطلعهم بشوق حتى يلجوا عالم الكبار الذي تتحلل فيه الممنوعات وتصبح فيه الكبير و المحلل الشخصي لنفسك “كما يعتقد عالم الأطفال البريء طبعاً!”،وأنا صغيرة كنت متحمسة لأشياء كثيرة منها الطبخ وكل مايتعلق به من أواني وألعاب ،أذكر أني مرةً دخلت المطبخ بينما والدتي تعد الإفطار الرمضاني،وأمامها دجاجة متبلة بالتوابل الزكية وتحشيها بالخضار المقطعة المشوحة: البازلاء والجزر والصنوبر الذهبي المحمص وأخيراً المكرونة الشعيرية ثم تخيطها بخفة وإستمتاع!، وحين قدمتها على المائدة محمَرة شهيَة شعرت أنها عملت عملاً خارقاً فقلت لها والإعجاب يملؤني ” هل سأصبح طباخةً ماهرة مثلك ياأمي” ؟ فقالت لي مؤكدة المثل الذي تردده وأحبه لأنه ينساب من شفاهها كالماء عذوبة وينضح حكمة من روحها الكريمة “عين الحر تكفيه”! ،وذكرتني بأنها تعلمت الطبخ بالمشاهدة أولاً من والدتها وعماتها،حيث أعدت الجريش لأول مره بمشاهدتها لعمتها رحمها الله وهي تعده! الواقع المرير أني لست بمهارتها لكني تعلمت منذ ذلك الحين الدرس الأول في الطبخ وهو المشاهدة بمتعة ومازلت أتعلم حتى اليوم الحب في الطبخ، وكنت أراها حين أعود من المدرسة يحفظها الله تشاهد برامج الطبخ المفضلة وتدون الوصفات المميزة في دفتر بغلاف أسود جلدي،و تسجل الحلقات المميزة أيضاً على أشرطة الفيديو، أكتب لكم الآن والحنين يهزني لأيام السويسرول اللذيذ بحشوة الشوكلاتة وأحياناً المربى الذي تعده لنا في طفولتي المبكرة! والكيك المغطى بالدريم ويب والسكر لمناسباتنا ومناسبات أطفال العائلة السعيدة،كذلك لفائف السينابون الزكية وجوز البلقان المليء برائحة الحنان في أيام الإختبارات ،وعجينة الكلير المحشية بالكاسترد!الحلقوم الذي تعده بكل حب ، خضار السوتيه المطهوة على البخار والمشوحة بالزبدة ، وحتى شطائر المدرسة بالخيار والجبنة! طعام الأمهات دائماً دافيء وحنون وكل أم تطبخ بحنو وحُب! كما تلوح لي شارة برنامج “مع أسامة أطيب” لشيف أسامة السيد والذي كانت تحبه وأحب مشاهدته معها ،وورثتني محبة برامج الطبخ التي لا أملها حتى أن أول حركة لابني تركي في بطني كانت وأنا أشاهد برنامج طبخ تنافسي ،فتحرك في داخلي كسمكة صغيرة تسبح عكس التيار بينما تطهو المتسابقة سمكتها!.كان شعوراً قدسياً حفظت من أجله كٌل ما أراه حولي وأنا ذائبة في حٌب من لا أستطيع سوى تخيله!.
_قبل خمسة أشهر وجدت كتاب وصفات أمي في أعلى رفوف مطبخها فتذكرت بينما أقلب الصفحات فيلم “جولي آند جولياز “والمقتبس من قصتيين واقعيتين
،والذي أحبه كثيراً جداً وعلى رأس قائمة أفلامي المفضلة،


يصور الفيلم حياة الطباخة جوليا شايلد في سنواتها الأولى في مهنة الطبخ, وتغير حياة جولي باول التي تتطلع لطبخ كل وصفات الطبخ وعددها 524 من كتاب شايلد وذلك خلال سنة واحدة, وهذا التحدي نشرته في مدونة شعبية والذي جعلها بعد ذلك كاتبة مشهورة.
جولي كانت مؤمنة بنفسها ولكن إيمانها لا يتجلى في حياتها التي لا تشبهها،كانت في وظيفة ترهقها ولا تناسبها،مع صديقات يستهلكن إيجابيتها،في منزل مكتظ وغير جميل ،الشيء الذي تحبه هو أن تعود للمنزل وتطبخ،تحب الكتابة لكنها لم تكتب سوى نصف رواية، أقترح عليها زوجها والذي يعمل محرراً التدوين وشجعها فكانت الفكرة أن تقوم بهذا التحدي وتلتزم به أشد لإلتزام ! فكانت تحاول مراراً حتى تنجح الوصفة ،كانت تشعر أن روح جوليا ترافقها كجنية طيبة وتباركها لذا لم تيأس! لكن كانت تتلقى التثبيط من والدتها التي لاترى جدوى من التدوين وطبخ الوصفات يومياً سوى زيادة الضغط على حياة جولي، أما جوليا شايلد فكانت في حقبة زمنية مختلفة،تحب الطبخ وشخصيتها فريدة من نوعها متفائلة وتنشر البهجة أينما حلت، قامت بدورها الممثلة ميريل ستريب والتي أتقنت دورها بشكل لا أستطيع وصفه! اضطرت للعيش مع زوجها بحكم عمله في فرنسا وهناك بحثت عن شغفها حتى وجدته في الطبخ الإحترافي لكن العقبة أنه لا يوجد كتب تعلم فنون المطبخ الفرنسي باللغة الإنجليزية لكن جوليا شايلد شقت طريقها بنفسها ومهدته لمن بعدها حين أعدت كتاب بالوصفات التي تعلمتها باللغة الإنجليزية وذلك بمساعدة زميلاتها في معهد الطبخ الفرنسي،والطبخ الإحترافي في فرنسا كان حصراً على الرجال لكنها قبلت التحدي وواجهت المصاعب قبل أن تعلم الطبخ الفرنسي للإمريكين بكل شغف كما أنها أعدت برامج الطبخ التلفزيونية،
خلال الأشهر الخمسة الماضية حاكيت الفلم نوعاً ما لكن بلا تدوين فكنت أكتفي بتصوير الطبق وأحياناً كثيرة أنسى التصوير لكن بحق استمتعت بالتحدي الممتع مع نفسي! طبقت الكثير من وصفات والدتي.ومن يدري؟ قد يتسنى لي أن أطبق التجربة بنفس القدر من الإلتزام والتي أثرت حياة جولي و أحببتها كثيراً ولكن ياترى هل ستحبونها ؟ في ظل زخم الميديا وقوة المنافسيين والأفكار المشابهة؟!.

اكتب تعليقك